المنافقون في القرآن الكريم
 

إننا في زمن يشهد كثيراً الفتن واضطراب الأمور ، وتبدُّل مفاهيم بعض الناس بسبب غزو فكري خارجي شرس استهدف – ولا يزال - الأمة في دينها وعقيدتها،رافقته دعاوى زمرة من التغريبيين في الداخل، تشكك في الثوابت وتهاجم الخير وتسوِّق الفاحشة كي تشيعها في الذين آمنوا ، وقد أدى هذا الاستهداف المزدوج من الداخل والخارج إلى وقوع البعض في بلبلة فكرية ، وانجراف آخرين إلى أتون الشهوات واللذات المحرمة ، وابتلاء فريق ثالث بالتهاون في الاستقامة على أمر الله ، وإصابة فريق رابع بالتردد والحيرة في أمور لا يعصم منها إلا التمسك بكتاب الله والاهتداء بكلام الحق عز وجل ، إذ فيه الشفاء من كل داء ، والعصمة من الضلال ، والأمان من الانتكاس ، والاعانة على الاستقامة. 
وإذا أمكن لهذا المشروع تحقيق بعض المكاسب ، والايقاع ببعض من في قلوبهم مرض ، والتربص بمن أشغلتهم الغفلة ، فإن واجب المخلصين والناصحين هو واجب كبير ومفصلي سيما في هذه المرحلة الحرجة ، يتجلى في السعي لإجهاض المخطط وإحباط المؤامرة وكشف الأدوار والإجهاز على وسائل وأدوات التنفيذ. 
ومن تمسك بكتاب الله ما ضل ، ومن لجأ إليه ما خاب ، فالمتأمل في محكم التنزيل تستوقفه آيات محكمات واضحات وضعت الطريقة المثلى لتحصين المجتمع من الغزو الفكري الخارجي ومن المكر الخفي الداخلي ، من خلال كشف صفات وأفعال المنافقين (( وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ)) ليحذرهم المؤمنون ، ثم الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ((يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )) لإجهاض دسائسهم بنشر الخير والهدى ، وتأتي بعد ذلك المرحلة الثالثة التي تحث المسلم على الاستقامة على أمر الله {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا } ليكون لبنة صالحة في مجتمعه ، ثم المرحلة الرابعة التي تأمره بتقوى الله ما استطاع {فاتقوا الله ما استطعتم} لئلا يدفعه التنطع والغلو أو التساهل والتفريط إلى أن يصبح وقوداً لتمرير مشروع استهداف الأمة في دينها وعقيدتها . 
ونقف اليوم مع هذه الآيات في هداية اية ، علها تضع خارطة طريق لمشروع كبير لتحصين المجتمع مما يُراد به .
 
الهداية الاولى :
 
يقول الله عز وجل في كتابه الكريم ))وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ . ((
لقد أنزل الله جلَّ وعلا في المنافقين سورة سُميت باسمهم ، تفضح بعض مواقفهم ، وتُخبر عن بعض صفاتهم ، وكان من جملة ما نَعَتَهُمْ الله تعالى به قوله ((وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) 
فقد وصفهم الله تعالى بأن الناظر إليهم يُعجبُ بجمال أجسامهم ، ومن يسمعهم يُؤخذ بفصاحة ألسنتهم ، لكنهم كالهياكل الفارغة ، أشباح بلا أرواح ، وأجسام بلا أحلام.وهذه الصفات تتناسب مع حالة النفاق ، إذ إن ظاهر المنافق دائماً خير من باطنه ، فظاهره الإيمان، وباطنه الكفر ، وهو ذلق اللسان ، لكنه يقول غير ما يعتقد ؛ فهو كذاب ، وهو جميل الصورة ، لكنه خالٍ من الصفات النبيلة كالإيمان والمروءة والرجولة ، وكل ما يزين الباطن.(بتصرف من رسالة مختصرة بعنوان هم العدو فاحذرهم للدكتور عبدالعزيز كامل منشورة في موقع صيد الفوائد). روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : كان عبد الله ابن أُبي وسيماً جسيماً صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان ، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته. تفسير القرطبي 18 / 124 
والنفاق هو: إظهار القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد . عارضة الأحوذي 10/97
وأساس النفاق الذي بُني عليه: أن المنافق يستر كفره , ويُظهر إيمانه، ولا بد أن تختلف سريرته مع علانيته ، وظاهره مع باطنه ، ولهذا وصفهم الله تعالى في كتابه بالكذب فقال ((ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون))، وقال ((والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)) وأمثال هذا كثير . صفة النفاق للإمام الفريابي 29 بتصرف يسير  . 
والنفاق من أسوأ ما ابتلي به المسلمون ، ولذا فقد كشف الله تعالى أستار المنافقين، وفضح أسرارهـم وبين أمرهم ليحذرهم المؤمنون ، وعندما ذكر الله عز وجل أصناف الناس الثلاثة في سورة البقرة : المؤمنين، والكفار، والمنافقين ، ذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية. يقول ابن القيم رحمه الله : (وذلك لـكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا، لأنهم منسوبون إليه، وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، يظن الجاهلُ أنه عِلْم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد. فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟ ! وكم من حِصْن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟ ! وكم من علم له قد طمسوه؟ ! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه؟ ! وكم ضربوا بمعاول الشُّبَهِ في أصول غراسه ليقلعوها؟ ! وكم عمّوا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها؟ ! فلا يزالُ الإسلام وأهلهُ منهم في محنةٍ وبليِة، ولا يزال يطرقهُ من شبُهِهِمْ سرية بعد سرية. ويزعمون أنهم بـذلك مُصلحون). صفات المنافقين 2/3. 
فأخص وأهم ما يميز المنافقين الاختلاف بين الظاهر والباطن، وبين الدعوى والحقيقة كما قال تعالى {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}، قال الإمام الطبري رحمه الله : أجمع جميعُ أهل التأويل على أنَّ هذه الآية نزلتْ في قومٍ من أهلِ النِّفاقِ، وأنَّ هذه الصفة صفتُهم . تفسير الطبري 1/268 
ولا تزال الأمة تعاني من المنافقين وأفعالهم ، فهم الذين تولوا كبر الإفك، وهم الذين ألَّبوا الرعاع على عثمان حتى قُتل رضي الله عنه، وهم الذين أوقدوا نار الحرب بين جيش علي والجيش الذي كان فيه طلحة والزبير رضي الله عن الجميع ، وبدسائسهم سقطت بغداد وقتل الخليفة، وبتعاونهم مع الغرب سقطت كابول وبغداد ، وهم الذين يقودون مركب التغريب في كل مجتمع بمهاجمة الثوابت الراسخة وبث الفتنة بعد أن جعلوا من أنفسهم آذاناً له ويتلقون بألسنتهم ما يمليه عليهم ، ولذا حذرناهم الله عز وجل بقوله (( هم العدو فاحذرهم)) وثنى تعالى بالإخبار بأنه يقاتلهم على إفكهم وغدرهم ومكرهم فقال (( قاتلهم الله أنى يؤفكون )). 
من صفاتهم : 1/في قلوبهم مرض: فهم يخفون الكفر ويظهرون الإيمان ، لجبنهم وخسة نفوسهم ، فلا هم قادرون على إعلان الإيمان الصريح ، ولا هم قادرون على إعلان الكفر بالحق قال تعالى ((فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً,وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)) . قال السعدي رحمه الله في تفسيره (1/42) : ( واعلم أن النفاق هو إظهار الخير وإبطان الشر ، ويدخل في هذا التعريف النفاق الاعتقادي والنفاق العملي فالنفاق العملي كالذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وفي رواية وإذا خاصم فجر وأما النفاق الاعتقادي المخرج عن دائرة الإسلام فهو الذي وصف الله به المنافقين في هذه السورة وغيرها ولم يكن النفاق موجوداً قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وبعد أن هاجر فلما كانت وقعة بدر وأظهر الله المؤمنين وأعزهم ، ذُلَّ من في المدينة ممن لم يسلم ، فأظهر بعضهم الإسلام خوفاً ومخادعة ولتحقن دماؤهم وتسلم أموالهم فكانوا بين أظهر المسلمين في الظاهر أنهم منهم وفي الحقيقة ليسوا منهم).أ.هـ 
فهؤلاء كانوا في عهد النبي يكذبون فيبطنون الكفر ويظهرون الإيمان ، أما بعض منافقي هذا الزمان فقد بلغت بهم الجرأة على الله إلى أن يجهروا بالكفر . 2/ ومن صفاتهم أنهم يرفضون الحكم بما أنزل الله ويتحاكمون إلى الطاغوت قال تعالى((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً)).فالحكم بما أنزل الله لا يُوافق أهواءهم،ولا يُحقق مآربهم،ولا يستجيب لنـزواتهم ، فهم يؤمنون بما أنزل الله عز وجل باللسان فحسب، لكنهم لا ينصاعون لحكم الله، بل يصدُّون عنه ويُحاربونه. 3/ ومن صفاتهم أنهم مُفسدون يزعمون الإصلاح: قال تعالى ((وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون))، جاء في تفسير الطبري 1/126 عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: (( إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم لا تفعلوا كذا وكذا قالوا إنما نحن على الهدى مصلحون))أ.هـ . 
فهؤلاء ديدنهم القضاء على بذور الخير واستنبات الخبيث الفاسد ، ثم يزعمون أنهم مصلحون ، وأنهم يسعون إلى ما فيه خير الناس. 
والخطير أن أقوالهم لها حلاوة وعليها طلاوة وينمقون آراءهم بتقميشات وزخارف تبهر وتخدع من لا يعرف حقيقتهم ولم ينتبه لمكرهم . ولتسويق منكرهم تراهم يشهدون الله على ما في قلوبهم وأنهم لا يريدون إلا الاصلاح والخير كما أخبر تعالى عنهم (( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام)).فأنى لهم الإصلاح ؟.4/  ومن صفاتهم أنهم يتربَّصون بالمؤمنين ، قال تعالى((الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)) . 
ومن صور تربصهم بالمؤمنين : اتهام العلماء والدعاة بالتطرف والإرهاب ، والسعي جاهدين للتضييق على المؤسسات الدينية، وتحجيم دورها ، ومهاجمة مدارس تحفيظ القران للتضييق عليها وإلغائها ، فيصفونها بمحاضن الإرهاب وأنها تعلم الناشئة على التكفير والتطرف . 5/ ومن صفاتهم أنهم يتولّون الكافرين ، قال تعالى ((الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً )) فهم يتوهمون أنَّ العزة عند الكافرين ، فيسعون لتحصيلها عندهم ، ويدافعون عنهم جهدهم ، حتى ولو كان ذلك على حساب الثوابت وكرامة الأمة.
وبلغ الهوان ببعضهم أن ركب مركب الدفاع عن الغرب طلباً لعزة زائفة، ولو أدى به ذلك إلى العبث بنصوص الكتاب المحكمة ومصادمة ما هو معلوم من الدين بالضرورة . فأحدهم يزعم أنه لا يكفر من اليهود والنصارى إلا من حارب المسلمين منهم . في محاولة لتأويل النصوص وتطويعها خدمة لمشروع القضاء على الولاء والبراء . والله تعالى يقول ((‏وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ ! أَنَّى يُؤْفَكُونَ )) . 
يقول ابن القيم رحمه الله : (فهؤلاء درست معالـمُ الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودَثرتْ معاهدُه عندهم فليسوا يعمرونها، وأفلَتْ كواكبُه النيرةُ من قلوبهم فليسوا يُحيُونهَا، وكسفَتْ شمسُـه عنـد اجتماع ظُلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها. لم يقبلوا هدى الله الذي أرسَل به رسوله. ولم يرفعوا به رأسا، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسا. خلعوا نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة. وعَزَلوها عن ولاية اليقين، وشنوا عليهـا غاراتِ التأويلات الباطلة، فلا يزال يخرج عليها منهم كمـين بعـد كمين. نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام، فقابلوها بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام. وتلَقوْها من بعيد، ولكن بالدفع في الصدُور منها والأعجاز. وقالوا: مالك عندنا من عبور- وإن كان لا بد- فعلى سبيل الاجتياز. أعدوا لدفعها أصناف العُدد وضروب القوانين، وقالوا- لما حلت بساحتهم-: ما لنا ولظواهر لفظية لا تفيدنا شيئا من اليقين. وعوامهم قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه خلفَنا من المتأخرين، فإنهم أعلـمُ بها من السلف الماضين، وأقومُ بطرائق الحُجَـج والبراهين). كتاب صفات المنافقين ص 46/ ومن صفاتهم أنهم يفرحون بما يُصيب المؤمنين مِنْ سُوءٍ ومحنةٍ ويحزنون لكل خيرٍ أو فرحٍ يمكن أن يحصلَ لأهلِ الإيمانِ قال تعالى ((إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)) ، فهم يشمتون بالمؤمنين . 
يقول العلامة ابن كثير (1/400 )في تفسير قوله تعالى((إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا )) : يقول ( وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد وكثروا وعز أنصارهم ساء ذلك المنافقين وإن أصاب المسلمين سنة أي جدب أو أديل عليهم الأعداء لما لله تعالى في ذلك من الحكمة كما جرى يوم أحد فرح المنافقون بذلك قال الله تعالى مخاطباً للمؤمنين (( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا))الآية ، يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم فلا حول ولا قوة لهم إلا به وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته ومن توكل عليه كفاه  . 7/ ومن صفاتهم أنهم يرجفون عند الشدائد ، فتراهم يخوفون المؤمنين ويسعون إلى تثبيط عزائمهم وإرهاق هِمَمهم ، لشق الصفوف وإثارة الفتنة وزعزعة تماسك المؤمنين قال تعالى ((وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً)). 
وللسعدي رحمه الله كلام نفيس ينطبق على هؤلاء فيقول (1/660): (وهذه عادة المنافق عند الشدة والمحنة لا يثبت إيمانه وينظر بعقله القاصر إلى الحالة الحاضرة ويصدق ظنه ) . 8/ ومن صفاتهم أنهم يتولّون يومَ الزَّحفِ قال تعالى ((لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)) . ففي القضايا الكبار التي تهتز لها الأمة كلها نجد أن مواقفهم تأتي لمصلحة أعداء الأمة . فعندما اتهم بابا الفاتيكان عقيدة الإسلام بأنها ترفض العقل ، واتهم نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بأنه إرهابي ، انبرى بعضهم ليبرر ما قاله البابا ، فقال: ( عندما يستعير البابا بنديكتيوس السادس عشر حواراً قديماً من القرن الرابع عشر الميلادي... فأنا أقرأه بصورة مغايرة لما أحدثته محاضرته تلك من ثورة عارمة في العالم الإسلامي، وهذه القراءة تنطلق من أن ثقافتنا هي التي مكنت المخالفين لنا من الطعن واتهام الدين نفسه من غير تفريق ما بين المنهج (الإسلام) والمطبقين لذلك المنهج (المسلمين).( عكاظ ، السبت 23 / 8 / 1427 ، الموافق 16 سبتمبر 2006 ، العدد 1917). ثم يؤكد في مقال آخر ما زعمه البابا قائلاً : (وتأتي كارثة المتحدثين باسم الدين سابقاً ولاحقاً ورفضهم للعقل والفلسفة) وختم قائلاً : (نحن بحاجة للعقل للوصول للآخرين).( عكاظ ، الأحد 24 / 8 / 1427 ، الموافق 17 سبتمبر 2006 ، العدد 1918 ).9/ ومن صفاتهم : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف قال تعالى {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}. فهؤلاء يأمرون بالمنكر وهو الفسوق والعصيان والاختلاط في العمل وافتتاح دور السينما ألخ. 
ومن صور نهيهم عن المعروف ، مهاجمة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتضخيم الأخطاء التي قد تقع من بعض منسوبيها ، وفي أحيان كثيرة افتروا عليها لتشويه صورة رجال الحسبة . 
وهم في ذلك يخالفون ولاة الأمر. يقول الملك المؤسس عبد العزيز رحمه الله حاثاً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : ( وإنِّي آمرُ جميع أُمرائي من الحاضرة والبادية ، وكذلك مَن منَّا له معرفة في دين الله ويرجوا ثواب الله, أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ولا نأخذُ في ترك ذلك عذراً عند الله سبحانه وتعالى, ثُمَّ عندي وعند المسلمين , ومَن تركَ ذلك أميراً ومأموراً ومنتسباً , فقد عصى الله وتعرَّض لسخطه , ثُمَّ عصى وليَّ أمره, وأوجب عليَّ بغضه والقيام عليه بما تقتضيه الشريعة الغرَّاء...) أ.هـ.
ويقول الملك خالد رحمه الله: ( وخير طريق في ذلك سلوك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتهاد فيه, فإنَّ التساهل سبب في تفشي المنكرات واستمرائها, ومن ثمَّ تنشأُ الناشئةُ لا تَعرفُ معروفاً ولا تُنكر منكراً, بل يرونَ المنكرات بأعينهم ولا يسمعونها بآذانهم, فيتلاشى قُبحها من نفوسهم, ثُمَّ يتجرؤون على ارتكابها, كما أنَّ التهاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُؤدِّي إلى سخط الله وغضبه وحلول لعنته...فلْنُسرع رحمكم الله بالرجوع إلى الله, ولْيَفشُ التناصحُ بيننا, ولنسلك سبيل الدعوة إلى الله والطريق المستقيم, تصلحُ أحوالُنا وتستقم أُمورُنا, ويعز الدين وأهله, وينقشع الشر وحزبه, فما وقعَ بلاءٌ إلاَّ بذنب, ولا رُفع إلاَّ بتوبة). أ.هـ.
ويقول الملك فهد رحمه الله:(وقطعنا على أنفسنا العهد أنْ نتحمَّل مسؤولية الدعوة كأمة مسلمة, من واجبها أنْ تأمرَ بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله .. ) أ.هـ.
وإن هجوم هذه الشرذمة على الهيئات فيه مخالفة للنظام الأساسي للحكم الذي ينص في مادته الأولى على تطبيق الشريعة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوضح شعائر الشريعة.
وقبل هذا كله فإن مهاجمة الحسبة فيه مصادمة لقوله تعالى (( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون ))( آل عمران : 104 ) .

آخر تحديث 30/10/35 12:44:45 م
 
 
   اكتب تعليقك هنا
   
   الاســـم * :   البريد الالكتروني * :