الامر بالمعروف والنهي عند المنكر في القرآن الكريم
 

يقول تعالى في كتابه الكريم  (( يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)) إن صون المجتمع المسلم من أن تخلخله وتقوّضه البدع والخرافات والمعاصي والمخالفات ، وحمايته من أمواج الشر الهائجة وآثار الفتن المائجة ، وتحذيره مزالق السقوط ودركات الهبوط أصل عظيم من أصول الشريعة وركن مشيد من أركانها المنيعة، ولذا كانت عناية الشريعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.روى البخاري عن النعمان رضي الله عنه مرفوعاً: " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفله إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ". وروى عن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي r دخل عليها فزعًا وهو يقول : "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ويأجوج مثل هذه " وحلّق بأصبعه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال : " نعم إذا كثر الخبث". ما فُقدت الحسبة في قوم إلا زاغت عقائدهم وفسدت أوضاعهم وتغيرت طباعهم، وما ضعُفت في مجتمع إلا بدت فيه مظاهر الانحلال وفشت فيه بوادر الاختلال .الحسبة صمام الأمان الذي تستقيم معه حياة الفرد والمجتمع . روى الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً: " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ".وبها يتحقق الأمن والسلام بين الناس فضلاً عن نزول البركات من السماء والأرض لامتثال أمر الله تبارك وتعالى وقلة الخبث في المجتمع وكثرة الصالحين.وهي ضرورة بشرية وحاجة إنسانية ، فلا بد للإنسان من أمر ونهي، ولابد أن يأمر وينهي حتى لو أنه لوحده لكان يأمر نفسه وينهاها.وهي من صفات المؤمنين ، قال تعالى { والمؤمِنُونَ والمؤمِناتُ بَعضُهُم أولياءُ بعضٍ يأمرُونَ بالمعرُوفِ وَينهوَن عَنِ المُنكَرِ ويُقيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤتَونَ الزَّكاةَ ويُطيعُونَ اللهَ وَرَسولَهُ أولئِكَ سَيرحمُهُمُ اللهُ إنَّ اللهَ عَزيزٌ حكيمٌ } (سورة التوبة : 71). بل هي الواجب كما في قوله صلى الله عليه و سلم الذي رواه مسلم عن أبي سعيدرضي الله عنه : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فقلبه، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". والحسبة فيها إعذار عند الله { وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون}.وبلغ من عظيم منزلتها في الإسلام أن الله سبحانه وتعالى قدمها في بعض الآيات على الإيمان ، الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } . وسر هذا التقديم هو عظم شأن هذا الواجب، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامة، ولا سيما في هذا العصر، فإن حاجة المسلمين وضرورتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديدة؛ لظهور المعاصي، وانتشار الخبث وشيوع المنكرات . فإضاعتها سبب للعواقب الوخيمة والكوارث العظيمة والشرور الكثيرة، وتفرق الأمة وقسوة القلوب وظهور الرذائل وعلو صوت الباطل وفشو المنكر ، وعدم إجابة الدعاء . قالت عائشة رضي الله عنها قال النبي صلى الله عليه و سلم :" مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم ". كما أن غيابها من أسباب وقوع الهلاك والعذاب، عن عبيد الله بن جرير قال النبي صلى الله عليه و سلم :" ما من قوم يعمل بينهم بالمعاصي هم أعز وأكثر من يعملونه ، ثم لا يغيرونه إلا عمهم الله بعقاب". أخرجه أحمد وأبو داود وهو صحيح.وإن مما حبا الله به هذه البلاد أن وفق ولاتها وقادتها إلى إنشاء جهاز خاص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر امتثالاً لقوله تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}.إنها كلمة حق يجب أن تقال، وأعمال يجب أن تذكر فتشكر مع ما نرجو ونؤمل من المزيد من النشاط والعمل، كما نؤمل المزيد من الدعم والتأييد، فالتيارات كثيرة، والمغرضون كثر. إن واجب الحسبة ليس حكراً على أعضاء الهيئات فقط ، بل هو واجب واسع يمتد ليشمل الجميع ، فقد وزعت الشريعة المسؤوليات على كل فئات المجتمع مراعيةً في ذلك التدرج ليشمل الأفراد والأسرة والمسؤولين وصولاً إلى ولي الأمر قال صلى الله عليه و سلم :" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته ، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته ".رواه البخاري ومسلم . فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة كل مسلم ومسلمة، ولولاها لضاع الدين، وبها استحقت أمة محمدr أن تكون خير أمة أخرجت للنا س ويشترك فيها الناس كل بحسب قدرته . قال صلى الله عليه و سلم :" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". وهنا ثلاث درجات بينها الرسول صلى الله عليه و سلم :الدرجة الأولى : التغيير باليد ، وهي مهمة الولاة والمسؤولين أي الإمام ومن ينوب عنه ، ورب الأسرة في أسرته ، ورب العمل في عمله ، وقضية التغيير باليد يسبقها الإعلام والتوجيه والتوعية إذ لا يؤخذ الناس على غرر وعلى جهل، ولا بد من دراسة سبب المنكر ثم معالجته بالتوجيه والنصيحة أولاً، ثم بالعفو ثانياً إلا في ما لا يعذر فيه كسرقة مثلاً أو زنا أو شرب خمر وغير ذلك من المنكرات المعروفة من الدين بالضرورة، فهذه عندما يقارفها شخص في بلد إسلامي يطبق عليه الحد وهذا شأن ولاة الأمر. أما الدرجة الثانية: فهي للعلماء وطلبة العلم والدعاة ، فهؤلاء عليهم أن يبينوا حكم الله بالأساليب المرغبة، كل على قدر عقله وفهمه، فإذا خاطبنا عالماً بدين من الأديان لا يكون وزنه كالجاهل، ولعل قصة معاذ رضي الله عنه عندما بعثه النبي صلى الله عليه و سلم إلى اليمن فقال له: إنك ستأتي قوما أهل كتاب، يعني تهيأ لهم بالإجابة عن تساؤلاتهم ومناقشاتهم، فهم سيناقشونك عن علم بالكتاب، وهذه المرحلة هي مهمة أناس معينين، وليست مهمة الغوغائيين ولا الجاهلين ولا العابثين أو منتهزي الفرص، إذ قد يدخل في هذا الباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من له أغراض سيئة في المجتمع، يريد إثارة الشبهات أو التحريش بين الناس وإثارة العصبيات والمذهبيات، أو من ليس لديه القدرة على بيان الحقيقة فيسيء إلى الدين أكثر مما يحسن.أما المرحلة الأخيرة فهي الإنكار بالقلب، وهذا لكل مسلم ومسلمة، فإن لم تكن مسؤولاً تنفيذياً أو عالماً شرعياً وترى أن هذا حرام فموقفك هو موقف المنكر قلبياً، والقصد منه هو اعتقاد حرمة هذا الحرام واعتقاد عدم مشروعيته، فإن رأيت ارتكاباً للممنوع ضاق صدرك وتألمت وظهرت علامات الإنكار عليك فهذا من دلائل الإيمان. كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى بعض عماله: "أما بعد: فإنه لم يظهر المنكر في قوم قط ثم لم ينههم أهل الصلاح بينهم إلا أصابهم الله بعذاب من عنده أو بأيدي من يشاء من عباده، ولا يزال الناس معصومين من العقوبات والنقمات ما قُمع أهل الباطل واستخفي فيهم بالمحارم".والمؤسف أن بعض الناس يترك الأمر والنهي محتجاً بقوله تعالى { يا أيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} .قال أبو بكر رضي الله عنه في هذه الآية : ليس الأمر كما تتوهمون ، إني سمعت رسول الله r يقول :" إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده".وقال سعيد بن المسيِّب: "إذا أمرتَ بالمعروف ونهيت عن المنكر لا يضرُّك من ضلّ إذا اهتديت"، ومثله جاء عن الجصاص والنووي وابن المبارك . وقال ابن تيمية: "والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضرُّه ضلال الضُّلاَّل".فالحرص على الحسبة من أعظم الواجب لما فيه من كبت للمنافقين وتفويت لما يخططونه . يقول الإمام أحمد: إن المنافق إذا خالط أهل الإيمان فأثمرت عدواه ثمرتها، صار المؤمن بين الناس معزولاً، لأن المنافق يصمت عن المنكر وأهله فيصفه الناس بالكياسة، والبعد عن الفضول، ويسمون المؤمن فضولياً.

آخر تحديث 30/10/35 12:44:45 م
 
 
   اكتب تعليقك هنا
   
   الاســـم * :   البريد الالكتروني * :