الاستقامة في القران الكريم
 

قول  الله  عز وجل) :   فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير) هود112
 
 
 
ومن أعظم ما يكبت النفاق وأهله ويزيد غيظ قلوبهم : الاستقامة على شرع الله ، امتثالاً لقوله تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ}
 
الاستقامة : هي سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القيم ، من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة ، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها ، الظاهرة والباطنة ، وترك المنهيات كلها ، الظاهرة والباطنة (بتصرف من جامع العلوم والحكم 193)وقد تنوعت أقوال السلف و تعددت في مفهوم الاستقامة و بالجملة ترجع إلى ما ذكره ابن رجب رحمه الله و أنها تعني التمسك بالدين كله و الثبات عليه، ولذا يقول ابن القيم رحمه الله : "فالاستقامة كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، و هي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق و الوفاء". (تهذيب مدارج السالكين 529)وهي وسط بين الافراط والتفريط ، وكلاهما منهي عنه شرعاً. وقد أوجب الله على عبده الاستقامة وأمره بالدوام عليها ، ولذا شرع له أن يسألها ربه في كل ركعة من صلاته {اهدنا الصراط المستقيم } ، وعندما جاء سفيان بن عبد الله رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك ، قال :" قل : آمنت بالله ، ثم استقم". رواه مسلم . وهذا دليل على أن جماع الخير بعد الايمان بالله هو في الاستقامة. وقد أمر الله عز و جل بالاستقامة و حث عليها في عدة آيات منها:قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}فلت 30
 
 وقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } الاحقاف 14
 
وقوله تعالى { فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ } فصلت 16
 
وقوله تعالى{قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}  يونس : 89 وقوله تعالى {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } الشورى : 15
 
 
 
الاستقامة تكون في النيات والأقوال والأعمال : يقول ابن القيم رحمه الله :"والاستقامة تتعلق بالأقوال و الأفعال والأحوال والنِّيَّات، فالاستقامة فيها : وقوعها لله وبالله و على أمر الله. قال بعضهم : كن صاحب الاستقامة لا طالب الكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، و ربك يطالبك بالاستقامة، فالاستقامة للحال بمنزلة الروح من البدن، فكما أن البدن إذا خلا عن الروح فهو ميت فكذلك إذا خلا عن الاستقامة فهو فاسد...و سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة" (مدارج السالكين 2/103) .ويقول ابن رجب رحمه الله : " أصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد... فمتى استقام القلب على معرفة الله و على خشيته وإجلاله و مهابته و محبته و إرادته ورجائه و دعائه و التوكل عليه والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب هو ملك الأعضاء، و هي جنوده فإذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه، و أعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان فإنه ترجمان القلب والمعبِّر عنه" ( جامع العلوم و الحكم 193 بتصرف) الاستقامة في جوهرها تعني تمحور المسلم حول مبادئه ومعتقداته ، مهما كلفه ذلك من عنت ومشقة، ومهما فاته من مكاسب مادية . فإذا أراد العبد أن يعيش وفق مبادئه ، ورغب إلى جانب ذلك أن يحقق مصالحه إلى الحد الأقصى ، فإنه بذلك يحاول الجمع بين نقيضين، وسيجد أنه لا بد في بعض المواطن من التضحية بأحدهما حتى يستقيم أمر الآخر . وإن تحقيق المصلحة على حساب المبدأ يُعدّ انتصاراً لشهوة أو مصلحة آنيّة ، أما الانتصار للمبدأ على حساب المصلحة فإن ذلك يبعث في نفس صاحبه الشعور بالسعادة والرضا والنصر والحكمة والانسجام والثقة بالنفس . وقد شبه البعض "المبدأ" بـ "النظارة" إذا وضعناها على أعيننا ، فإن كل شيء يتلّون بلونها ، فصاحب المبدأ له طريقته الخاصة في الرؤية والإدراك والتقويم ، فحين يرى البعض يتهافتون على الشهوات المحرمة ، فإنه يترفّع عن ذلك ؛ لأن مبدأه يقول له شيئاً آخر غير ما تقوله الغرائز للآخرين ، وإذا رأى البعض يخبطون في المال الحرام تجنب ذلك ، وإذا سمع دعاوى التغريبيين قاومها وعارضها انسجاماً مع ما يعتقده من مبادئ . ولا يزال الناس يتباينون في اهتماماتهم ، فهنا من همّه الأكبر النجاح في عمله والمحافظة على سمعته فيه ، وهناك من همه اللذة المحرمة ، وثمة من تمحورت همومه كلها حول المال ، لكن اهتمام المسلم وهمومه كلها تتمحور حول قضية العبودية لله والرغبة فيما عند الله { قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ } الأنعام 162 – 163 وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من تتمحور همومه حول طلب رضا الله ، كفاه ربه كل هم وحقق له ما يريد ، قال صلى الله عليه وسلم :" من جعل الهموم هماً واحداً هم آخرته كفاه الله هم دنياه ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك". رواه ابن ماجة وحسنه الألباني . (بتصرف كبير من العادات السبع للقادة الإداريين ، ص120 ، وبحث للدكتور عبدالعزيز كامل منشور في موقع صيد الفوائد)ما يعين على الاستقامة :ـ الإخلاص لله تعالى{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين). ـ محاسبة النفس: قال تعالى:{ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم. (تفسير ابن كثير 4 / 342. ( فالمحاسبة تحفظ المسلم من الميل عن طريق الاستقامة. ـ المحافظة على الصلوات الخمس : لأنها صلة بين العبد وربه ، وهي من أسباب اجتناب الفحشاء والمنكر ، قال تعالى { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} . ـ طلب العلم: لأنه الوسيلة لمعرفة الله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم . قال ابن القيم رحمه الله : "به يُعرَف اللهَ و يُعبد، ويُذكر و يُوحَّد، و يُحمد ويُمجَّد، وبه اهتدى إليه السالكون، ومن طريقه وصل إليه الواصلون، ومن بابه دخل القاصرون" (انظر تهذيب مدارج السالكين 484) .ـ اختيار الصحبة الصالحة : لأن الجليس الصالح يعين صاحبه على الطاعة ، وينبهه على أخطائه ، أما الجليس السيء فعلى العكس من ذلك ، قال تعالى { الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:" مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة". رواه البخاري . ـ حفظ الجوارح عن المحرمات: كحفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة وغيرها، وحفظ البصر عن المحرمات لقوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً } .وقوله عليه الصلاة والسلام : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت". رواه البخاري . ـ الدعاء : كان النبي صلى الله عليه و سلم يسأل ربه الثبات بقوله :" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" ، قال أنس رضي الله عنه : فقلت يا رسول الله آمنا وبك وبما جئت به فهل تخاف علينا ؟ قال:" نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبهما كما يشاء". رواه الترمذي وحسنه الألباني . ولذا أُمرنا بقراءة الفاتحة في كل ركعة وفيها نسأل الله تعالى الهداية {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فندعو الله تعالى لأن الاستقامة و الثبات عليها بيد الله تعالى {مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ( الأنعام 39 ) . ـ لزوم منهج الوسطية : فلا تفريط باتباع الرخص والهوى والانقياد لنداء الشهوات المحرمة ، ولا إفراط وغلو وتشديد ، قال صلى الله عليه و سلم : " لن يشادّ الدين أحد إلا غلبه" متفق عليه . وقال صلى الله عليه وسلم : " هلك المتنطعون " أي المتشددون قالها ثلاثاً والحديث رواه مسلم . كما أن الاستقامة لا تعني الوقوع في الحرج والعنت قال تعالى { هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } (الحج : 78) ، وقال { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ } (البقرة : 185) .من ثمرات الاستقامة : من حقق الاستقامة نال ثمرتها التي أخبر عنها الله عز وجل في كتابه بقوله {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ *نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ }. فهذه الآيات الكريمات بينت أن من ثمرات الاستقامة : أ ـ الفوز بولاية الله تعالى. ب ـ طمأنينة القلب . ج ـ تنزل الملائكة عليهم عند الموت ، وقيل: عند خروجهم من قبورهم ، قائلين { ألا تخافوا ولا تحزنوا} على ما قدمتم عليه من أمور الآخرة ، ولا ما تركتم من أمور الدنيا من مال وولد وأهل. د ـ لهم البشرى ، قال وكيع :" البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، و في القبر، و عند البعث " هـ ـــ الفوز بمحبة الناس واحترامهم ، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين. .و ـ أن لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم ، وتلذ أعينهم ، وتطلبه ألسنتهم. فما أعظمه من فضل وما أشرفها من منزلة.ز ـ سعة الرزق في الدنيا : لقوله تعالى {وَأَلَّوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً} ( الجن : 16 ) أي كثيراً و المراد بذلك سعة الرزق و كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" أينما كان الماء كان المال " . ح ـ الانشراح في الصدر و الحياة الطيبة : لقوله تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ( النحل : 97 ) و من جاء بالاستقامة فقد عمل أحسن العمل .الاستقامة لا تعني العصمة من الذنب : فالذنب لا بد منه كما في حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" كل ابن آدم خطاء و خير الخطائين التوابون ". رواه أحمد والترمذي.والله عز و جل أمر مع الاستقامة الاستغفار من الذنب مما يدل على أن الاستقامة قد يقع فيها خلل وجبر هذا الخلل يكون بالاستغفار فقال تعالى{ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ } (فصلت : 6 ) ، قال ابن رجب رحمه الله : "و في قوله عز وجل : { فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ } إشارة إلى أنه لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيُجبَر ذلك بالاستغفار المقتضي للتوبة و الرجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النبي صلى الله عليه و سلم لمعاذ رضي الله عنه : " اتق الله حيثما كنت، و أتبع السيئة الحسنة تمحها "، و قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس لن يطيقوا الاستقامة حق الاستقامة فقال عليه الصلاة و السلام : "استقيموا و لن تحصوا، و اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، و لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن "، و في رواية للإمام أحمد رحمه الله :" سددوا و قاربوا، و لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ". فالسداد : هو حقيقة الاستقامة، و هو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال و المقاصد... والمقاربة: أن يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه، و لكن بشرط أن يكون مصمماً على قصد السداد و إصابة الغرض"(جامع العلوم و الحكم 1/510).ففي الآية السابقة أشار تعالى إلى أنه لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها ، وأن ذلك التقصير يجبر بالاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة. وقال صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها "رواه الإمام أحمد. وقد حذر مما ينقص الاستقامة في حالتي السراء والضراء . ففي قوله تعالى { وَلا تَطْغَوْا } ، إشارة إلى ما قد يصيب العبد في حالة السراء من أمور تخدش في استقامته وتنقص منها ، إذ لا يخفى أن من طبيعة البسط والتمكن استدعاءَ البغي والطغيان ، كما قال سبحانه { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْض}(الشورى : 27) . والبغي هو مجاوزة الحد ، وله عدة صور أهمها :طغيان القوة وهو البطش بالضعفاء ، وطغيان الجاه والنفوذ وهو الظلم وأكل الحقوق ، وطغيان العلم وهو قول العالم بغير دليل اعتماداً على مكانته العلمية أو رده لأقوال المخالفين من غير بينة توجب ذلك ، وطغيان المال يتجلى في التبذير والإسراف والتوسع الزائد في المتع والرفاهية. وتأتي الآية الثانية لتحذر من نوع آخر ينقص من استقامة العبد في حالة لضراء ، وهي حالة الضعف ، قال تعالى { وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } . فهذا النوع على خلاف النوع الأول ، يتمثل في حالة الضعف ، الذي قد يدفع صاحبه إلى مصانعة الظلمة ومداهنتهم ، طمعاً في الاستقواء بهم ، أو رغبة بما في أيديهم ، مع أن طبيعة الاستقامة والالتزام في هذه الحال تقتضي المناصحة والتحذير من التمادي في ذلك ، واجتناب ما يحمل على سوء الظن ، وهذا كله منافٍ للركون .وبالجملة فإن الاستقامة لا تعني العصمة من الوقوع في الذنب ، بل تعني المجاهدة على الطاعة وإن حصل من العبد تقصير جبر ذلك بالتوبة والاكثار من العمل الصالح دون تنطع أو غلو ، قال صلى الله عليه وسلم : "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون " رواه البخاري . فالعبد مأمور بأن يبذل وسعه في طاعة ربه وأن يتقي الله ما استطاع، وهذا موضوع الاشراقة التالية . الإشراقة الرابعة { فاتقوا الله ما استطعتم }. هذه الآية من أظهر الأدلة على عظيم رحمة الله تعالى بعباده ، حيث رضي منهم أن يعبدوه كل حسب قدرته واستطاعته ، وهي أحد مظاهر شمولية الشريعة ومناسبتها لكل زمان ومكان . إذ لا يخفى أن قدرات الناس متفاوتة تفاوتاً كبيراً في الامتثال لما أمر الله به ، فهذه الآية تجعل المسلم الذي وقع في ظروف حرجة ضاغطة يشعر بالطمأنينة بالسلامة من الإثم إذا اتقى الله ما استطاع ، كما أنها تستنهضه لمقاومة الظرف الطارئ وبذل الوسع في الامتثال أكثر. فالتكليف على قدر الوسع ، والوسع هو الطاقة التي يستطيع بها الإنسان أو الجماعة تنفيذ التكليف ، ولهذا فإن التكليف يدور وجوداً وعدماً حسب الوسع والطاقة ، وقد وردت في هذا المعنى آيات عديدة منها: قوله تعالى{وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (الأنعام: 152) .وقوله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (الأعراف: 42) .وقوله تعالى { وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ}(المؤمنون: 62) .وقوله تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا } (الطلاق: 7) .وفي خواتيم سورة البقرة، {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة: 286).ومن فقه هذه الآيات : أن كل واجب عجز عنه المكلف، فإنه يسقط عنه، وأنه إذا قدر على بعض المأمور، وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه. فدخل تحت هذه القاعدة الشرعية من الفروع، ما لا يدخل تحت الحصر كما يقول غير واحدٍ من أهل العلم (تفسير السعدي 141) . بعض التطبيقات على هذه القاعدة : أ ـ إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}. فقد حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما . (قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/110) . ب ـ من أراد الصلاة فعليه أن يتطهر بالماء، فإن عدم أو تعذر استعماله، فإن الإنسان ينتقل إلى التيمم. ج ـ أن صلاة الفريضة الأصل فيها أن يؤديها المصلي قائماً، فإن عجز صلى جالساً، وإلا صلى قاعداً، أخرج البخاري وأبو داود والترمذي، وَابن ماجة عن عمران بن حصين قال : كانت لي بواسير فسألت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب.د ـ وفي الصيام يجب على المسلم أن يمسك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإن كان الصيام يشق عليه أفطر وانتقل إلى الإطعام.هـ ـ وفي الحج ، فإنه يجب على المستطيع مرة واحدة في العمر ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟! فسكت، حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافِهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه". رواه مسلم . ومن لم يستطع الحج فإنه يسقط عنه ، كما قال سبحانه وتعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 97 ) .ومن تطبيقات هذه القاعدة أيضاً في مناسك الحج: أن من لم يجد مكاناً في منى أو مزدلفة سكن حيث تيسر له، ومن عجز عن الرمي فإنه يوكل غيره ، ولعل الحج من أكثر أركان الإسلام فروعاً تطبيقيةً لهذه القاعدة العظيمة.و ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة: مسائل الولايات ، فكل ولاية يجب فيها تولية الأصلح الذي يحصل بتوليته مقصود الولاية لقوله تعالى {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص: 26) فإن تعذر وجود القوي الأمين ، وجب تولية الأمثل فالأمثل . ز ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة في ميدان الدعوة : أن الإنسان مندوب إلى الدعوة على قدر استطاعته ، وكلما ازدادت قدرته تأكد الاستحباب في حقه لما يترتب على ذلك من آثار كثيرة . وإن ما شهده هذا العصر من مخترعات تقنية أعطت جوارح الإنسان نوعاً من القدرة وزادت من استطاعتها وقوتها ، فالآلة زادت في سلطان اليد ، والطائرة زادت في سلطان الرِّجل ، والهاتف في سلطان السمع ، والكاميرا والتلفاز في سلطان العين ، وانتشار الطباعة والترجمة إلى اللغات المختلفة زادت في سلطان اللسان ، ألخ . ويترتب على اتساع دوائر الاستطاعة هذه تعاظم المسئولية ووجود إمكانات جديدة للمزيد من الدعوة إلى الله ، ولذا فإن من تطبيقات هذه القاعدة أن تبذل الأمة وسعها في استغلال هذه القوة الزائدة في الدعوة إلى الله تعالى ، امتثالاً لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 102) .

آخر تحديث 30/10/35 12:44:45 م
 
 
   اكتب تعليقك هنا
   
   الاســـم * :   البريد الالكتروني * :