تجربتي مع طباعة تفسير الثعلبي
 

كم هي التحقيقات العلمية النفيسة لتراثنا العربي والإسلامي التي تخرج من جامعاتنا العربية لكنها لا ترى النور بحكم ضخامتها، وتكلفة سعرها، أو عدم الوعي بأهميتها من قبل بعض الناشرين، فتقبع حبيسة الخزائن والأدراج حقبة من الزمن، حتى ييسر الله لها من ينشرها ويظهرها للعالم.

وقد كان لي فضل المشاركة في العمل على مشروع طباعة تفسير (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) لأبي إسحاق الثعلبي (ت:427هـ) الذي يُعد من كتب التفسير بالمأثور، إذ أودع فيه مصنفه ما أخرجه الأئمة المتقدمون مما جمعوا في التفسير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثار الصحابة والتابعين كل ذلك بإسناده إلى قائله رفعاً أو وقفاً، والحق أنه عمل صعب عسير لا ينقاد إلا لأمثال الثعلبي في غزارة علمه، وسعة اطلاعه واستقصائه، مع ذهن متوقد، وذاكرة وحفظ وإتقان، حتى صار لمن بعده مرجعاً، ومن ثمَّ تبرز أهمية تحقيق هذا السفر المبارك، تحقيقاً يليق بمقام المؤلف والمؤلف.

ولمَّا لم يكن هذا الأمر بالسهل اليسير في بدايته، كانت الخطوة الأولى هي البحث في المؤسسات الأكاديمية عمن قام بتحقيق الكتاب تحقيقاً رصيناً فوجدنا أنَّ جامعة الأزهر وفي كلية أصول الدين والدعوة قام قسم التفسير وعلوم القرآن بتحقيق أجزاء من التفسير لكن لم يتم إكمال التحقيق في حينه نظراً لأنَّ النسخة الموجودة بدار الكتب المصرية فيها أجزاء مفقودة فتوقف المشروع، بينما الكتاب قد حقق تحقيقاً كاملاً في كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، فاتجهنا إلى هذا التحقيق المبارك، وتم الاتصال بأصحاب الفضيلة الباحثين أصحاب الرسائل الجامعية وأخذ موافقاتهم على المشروع، ومنذ ذلك الحين تم تشكيل لجنتين:

الأولى: لجنة إشرافية متخصصة قامت بوضع منهج علمي لتنسيق الرسائل وإخراجها في شخصية كتاب واحد والإشراف على تنفيذ هذا المنهج.

الأخرى: لجنة تنفيذية: قوامها مجموعة من المحترفين مهمتها تنفيذ مرئيات اللجنة العلمية في إخراج الكتاب.

والجدير بالذكر أنَّ هذا المشروع الضخم قد اعترضه بعض العقبات التي يسر الله تجاوزها منها: وجود عدد من الباحثين أصحاب الرسائل خارج المملكة بعد تخرجها من الجامعة وعدم معرفة عناوينهم مما استغرق وقتاً طويلاً للتواصل معهم، وكذلك الاضطرار إلى إعادة كتابة أكثر الرسائل العلمية نظراً لعدم وجود نسخ إلكترونية لبعضها، وعدم صلاحية بعضها الآخر مما تطلب وقتاً ليس بالقصير.

وقد استغرق هذا الجهد مدة تربو على ست سنوات كان على أثرها خروج هذا التفسير العظيم في (33) جزءًا، وتم الاحتفال بهذا الإنجاز الرائع في مدينة جدة في جمادى الآخرة سنة (1436هـ)، وذلك بحضور عدد من أصحاب السعادة والفضيلة والمتخصصين من مختلف الجامعات السعودية.

د. صلاح بن سالم باعثمان

المصدر جريدة اليوم

آخر تحديث 05/12/36 04:29:20 ص