القول السديد فى الخشية بالغيب
 

 
{إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ(11) } يس~
ذهب بعض المفسرون فى تأويل خشي الرحمن بالغيب , أي ما غاب من عذابه وعقابه (قال به قتادة)
وذلك ليس بالمناسب , حيث أنَّ العذاب , الأوْلى به الخوف وليس الخشية , حيث أنَّ الخشية تشمل المهابة والإجلال 
وفي القرآن الكريم ذُكر مع العذاب الخوف ولم تُذكر الخشية .
كقوله تعالى { وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) الرعد }
وقوله تعالى ذكره { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  (135)  }الشعراء  
ومثلها (59) الأعراف و (21) الأحقاف و آيات كثيرة في القرآن الكريم مثل ذلك 
وتأويل القرآن الكريم في معناه يجب أن يناسب بلاغة القرآن الكريم في اختيار الألفاظ والكلمات التى تناسب المعنى المراد من الله تعالى .
و قد ذهب معظم المفسرون في تأويل معنى " وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ " أي حيث لا يراه أحد إلّا الله تعالى , يَكُفُ عن المعاصي ويقوم بالطاعات في خلوة بعيداً عن أعين الناس .
وذلك قد يكون غير مناسب للأسباب الآتية :
 
1- هذه الآية نزلت بمكة المكرمة قبل الهجرة , ومعلوم حال الإسلام والمسلمين في ذلك الوقت وكان المسلمون الأوائل مضطهدين أيَّما إضطهاد , وقراءة القرآن أو العبادة ليست بالأمر الذي يُثْنى عليه , بل كانوا يخشون البطش بهم من كفار قريش فلا مجال للرِّياء .
- وبالطبع في هذه الآونه لم يكن هناك نفاق ولا منافقين , فالإسلام لم تكن له شوْكه ولا مَنَعَه تحمي أتباعه .
- ولو قال قائل إن العبرة ليست بخصوصية سبب النزول ولكن العبرة بعموم النص , هذا قول صحيح ولا خطأ فيه مطلقاً .
ولكن لابد وأن يكون النص مناسب وموافق للحال وقت النزول أصلاً ثم يُسحب المعنى والمُستفاد من النص ويُعَمَمْ على ما هو غير سبب النزول .
- أما أن يكون تفسيرهم للخشية بما قالوا فذلك لا يناسب وقت النزول (سورة مكية قبل هجرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ) .
2- هناك من العبادات مالا يمكن المراءاة فيه , مثل الصيام 
قال تعالى : كل عمل ابن آدم له , إلا الصوم , فإنه لي و أنا أجزي به (حديث قدسي صحيح البخاري )
فرغم أنَّ الصيام من عبادة الجوارح , إلَّا أنه لا يوجد صيام أمام أعين الناس و آخر في خلوة بعيداً عنهم  
3- الخشية عمل قلبي وليست عمل ظاهر يراه الناس مثل العبادات من تلاوة وصلاة وزكاة .
وبالتالي فلا يَطَّلِع عليها أحد غير الله تعالى , سواء كان الذي يخشى الله تعالى في خلوة أو في جهرة من الناس .
4- للتأكيد على ما أقول , فإنَّ الخشية بالغيب ذُكرت خمس مرات في القرآن الكريم وكلها في سور مكية .
قال تعالى {هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ(32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ                      مُنِيبٍ (33)} ق~ مكية  
ولا يَخفى على القارئ ما سبق
 و تبِع "خشية الرحمن بالغيب" بـ أوّاب حفيظ و بـ قلب سليم , مما يؤكد أن الخشية مواجيد قلبية لا تُرى للناس ولا تحتاج لخلوه , فلا يعلمها إلّا الله تعالى .
قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) } الملك مكية 
وكذلك الآية تؤكد على ما قلناه سابقاً , علاوة على أنها آيات مكية , فإنها تتحدث عن عِلْم الله بذات الصدور دون اعتبار للجهر بالقول أو الإسرار به , وبالتالي نتأكد من أن ما قال به المفسرون بهذا الخصوص قد لا يكون مناسب , للأسباب التى ذكرت سابقا.
قال تعالى {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ(49)} الأنبياء مكية
قال تعالى {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ(18) } فاطر مكية
 
إذاً فما هو المراد من خشية الرحمن بالغيب ؟
بما أنه من المعلوم في الدين بالضرورة أن لا أحد مطلقاً يرى الله تعالى في الحياة الدنيا ولا حتى الأنبياء والرسل .
 
إذاً فما هي الحكمة البلاغية والمراد الضمني لذكر كلمة بالغيب مع الخشية ؟
أود قبل أن أوضح ذلك أن أضرب مثلاً يلمسه الجميع ( وله سبحانه وتعالى المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) .
معلوم أن اللاعبين في الدورات الأولومبية وغيرها محظور عليهم تعاطي المنشطات وما يشابهها.
ويتم عمل تحاليل لهم ومن يخالف يخرج من المسابقة كلها , فلا أحد مطلقاً يخاطر بمستقبله ويتعاطى أي منشط , لكن عندما يؤدي لاعب ما دَوْرَهُ بصورة ممتازة للغاية تفوق أعلى ما يُطْلب منه , فإن المُشاهد له يقول " اللاعب فلان لعب ماتش خرافه ! ومن غير منشط ! " .
أي أن الذي يشاهد اللعب يعتقد أن اللاعب تناول منشطات لروعة الأداء في المباراة .
 
- وفيما يخصنا ,
أي أن الخشية لله تعالى كبيرة و شديدة و دائمة , لدرجة كأنها كالتي تكون في رؤية الله تعالى , تلك الدرجة من الخشية هي التي ذكرها سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سأله سيدنا جبريل عن الإحسان فقال له سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم " أن تعبد الله كأنك تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك " .
- وتأمّل كيف الخشية بالغيب التي ذُكِرت في القرآن الكريم خمس مرات , ثلاث مرات بصفة الربوبية , ومرتان بصفة الرحمن . , ولم تأت مع إسم الذات العَلَم للألوهية (الله) , حتى نأخذ المعنى الضمني أن كل هذه الخشية وعِظَمِها وعُلُو شأنها فإنها لله تعالى بصفة الرحمن وصفة الربوبية حتى تبين أنَّ هذه الخشية العظيمة تكون مع الرجاء والطمع في واسع رحمة الرحمن وعظيم عطاء الرب الكريم . 
الخشية بهذا المعنى ما أطيبها وما أجملها وما أعظمها , هي الخوف والطمع , هي الرهب والرغب , هي ما يحبه الله تعالى ويرضاه .
اللهم ارزقنا إياها يا كريم يارب العالمين .
 
ولنا عَوْدٌ كريم إلي الآية في سورة يس~ :
 
{إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ(11)}
 
- حتى نستفيد من هذه الآية وأمثالها في كتاب ربنا الكريم , كلنا يَوَدُ أن يخشى الله تعالى على هذه الدرجة , ولكن كيف ؟
  سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال لسيدنا جبريل أن تعبد الله كأنك تراه .
 وسيدنا الرسول هو الذي علّمنا أن الله تعالى لا يُرى في الدنيا .
- إذاً المراد بالرؤية ليست المشاهدة , ولكن الرؤية هي استحضار أسماء الله الحسنى وصفاته في قلبك .
حين يُنعم الله تعالى عليك برزق واسع من نعم الدنيا ترى ربك كريماً رَزَّاقاً واسع الفضل , وحين يُشفيك من مرض أصابك ترى الله تعالى شافياً ومعافياً وأنه وحده كاشف الضرّ .
 وهكذا مع كل حال في أحوالك , ترى ربك بقلبك مستحضراً أسماؤه وصفاته التي أنت في أشد الحاجة لها في حينها .
 
 
المُحْسِن من عباد الله تعالى هو الذي يرى ربه في جميع الأحيان في كل لحظه ودائماً بكل هذه الأسماء والصفات .
يرى بقلبهِ ربهُ كريماً , رزَّاقاً , واسع الفضل , كاشف الضر , على كل شئ وكيل , عليماً بكل خلقه , قريباً مجيباً , سميعاً بصيراً , تلك هي المعية مع الله تعالى .
هذا هو العشق لذكر الله تعالى , بأن يعشق العبد ذكر ربه وتسبيحه وحمده دوماً .
أن تكون دائم الذكر لربك , ومستحضراً كل صفات الجمال والجلال والكمال لـ ذاته القدسية .
هكذا تكون بفضل ربك عبداً ربانياً.
 
- الآية الكريمة تتضمن :
شرطان : اتباع الذكر – خشية الرحمن بالغيب .
وعْدَان : البشرى بالمغفرة – البشرى بالأجر الكريم .
- والمعني الظاهر للآية الكريمة :
أن من اتبع الذكر فـ له البشرى بالمغفرة 
اتباع الذكر يعنى التصديق والإيمان والعمل بما جاء به القرآن الكريم .
فمن آمن بالله تعالى أمِنَ عذابه ونال مغفرته .
- والمعنى الضمنى للآية الكريمة :
أنَّ من ازداد إيمانه وازدادت خشيتة لله تعالى كأنه يراه ( دون أن يراه على الحقيقة ) فـ له البشرى بالمغفرة والأجر الكريم .
والآية الكريمة بها دعوة ضمنية للقلوب المؤمنة فى أن تتسابق فى خشية الرحمن لتصل إلى درجة الإحسان .
- وما دمنا نتكلم عن الخشية فإنه تحضرنى خاطرة حول الآية الكريمة :
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)} فاطر 
 
- المعنى الظاهر للآية الكريمة أن العلماء من عباد الله تعالى هم الذين يخشون الله تعالى .
إمَّا على سبيل القصر والتخصيص أو من باب الأوْلى .
وسواء كان هذا العلم في خلق الله تعالى مثل علوم الكيمياء والطبيعة والفلك , أو في أمر الله تعالى من علوم الدين من فَهْم لآيات القرآن الكريم والعلم بصفات الله تعالى ,
كلا الفريقان بعلمهم يوقنون بعظمة الخالق وبكمال قدرته وإحاطته و هيمنته , ويؤمنون بحتمية اليوم الآخر وأنه لا ريب فيه , ذلك هو المعنى الظاهر .
- أما المعنى الباطن للآية الكريمة فهو أنه من خشي الله تعالى فهو عالم , أيّاً كان مقدار ما يعلمه من العلم , وحتى لو كان أُمِّياً لا يقرأ ولا يكتب .
-فالخشية محلها القلب , والعلم وسيلة لتحقيق الخشية لله تعالى , فمن بلغ الغاية والخشية دون الوسيلة (العلم) فـ له شرف الوصول إلى الغاية .
- قد يكون العبد فى قلبه بالفطره من الخشيه لله تعالى الكثير والكثير  رغم أميّـته وعدم دراسته للدين المُدرّس حاليا (العلم بصفات الله تعالى-العلم بأمر الله تعالى ) وهو بذلك قد نال الغاية من فضله تعالى دون الوسيله .
- تلك هي الخشية بالفطرة وتكون في القلب السليم الذي أجاب عهد ربه في عالم الذر ,
قال تعالي {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172)} الأعراف 
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده .
 
- وفي المقابل قد يكون هناك عالم بعلوم الدين وليس في قلبه خشيه , بل ليس في قلبه إيمان حقيقي , 
بل قد يكون منافقاً , 
قال سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : [ إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمته فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء , فقد قيل , ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار , ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها 
قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت , ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارىء , فقد قيل , ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار , ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد , فقد قيل , ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ] 
رواه مسلم والنسائي 
من كل ما سبق نَخْلُص إلى أنَّ الخشية لله تعالى هى عملٌ قلبى خالِص .
وأنَّ الخشية لله تعالى بالغيب هى إرتقاء فى عِظَمِ الخشية  لله تعالى كأنك لست بالغيب . وهى أعلى درجات الخشية وهى الإحسان .
 
- وما إحسان العبد فى عبادته لله سبحانه وتعالى إلا بهدايته سبحانه ومعونته وعظيم فضله و واسع رحمته .
- ثم يتفضل علينا سبحانه وتعالى بالجزاء الحسن فى الدنيا والآخرة .
- ثم يزداد فضله وإحسانه علينا بأن يسمينا محسنين .
- والحقيقة أنه لا محسن إلا أنت سبحانك .
- اللَّهم إنَّه من كمال إحسانك أن سمَّيت من تشاء من عبادك بالمحسنين .
- اللَّهم بفضلك العظيم و واسع رحمتك اجعلنا منهم يا ذا الجلال والإكرام .... آمين .
 
اللَّهم صلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
 
المهندس:عبدالله الجنزورى 
أحد المتدبرين لكتاب الله العزيز 

*هذه الخاطرة تمثل رأي كاتبها فقط
 

آخر تحديث 03/01/36 04:44:08 ص
 
التعليقات 1 تعليقات المحتوى
1.
ما شاء الله تبارك الله تفسير رائع ومؤثر نسأل الله التوفيق والسداد وان يرزقنا من خشيته ما يبلغنا مغفرته واجره الكريم وان نكون بجلاله وعظمته من العالمين وان فُقدت الوسائل فالله موفق لاحبابه وخير من اجاب كل سائل بارك الله فيكم
 
   اكتب تعليقك هنا
   
   الاســـم * :   البريد الالكتروني * :